كل المواد الموجوده للشيخ طارق الطواري

بر الوالدين

عرض المقال
بر الوالدين
2853 زائر
31-03-2015
أ.د طارق الطواري

فهرس الموضوعات

1- مقدمة.

2- مناسبة الخطبة.

3- اقتران حق الوالدين بحق الله.

4- أمر الله تعالى بالإحسان إلى الوالدين.

5- بر الوالدين باب من أبواب الجهاد.

6- طاعة الوالدين موجبة للجنة.

7- رضا الله معقود برضا الوالدين.

8- الوالدين سبب لمغفرة الذنوب.

9- بر الوالدين سبب في تفريج الكربات.

10- بر الوالدين سبب في إطالة العمر وتوسيع الرزق وحسن الخاتمة.

11- دعوة الوالدين مجابة.

12- أنت ومالك لأبيك.

13- عقوق الوالدين من أكبر الكبائر.

14- لا ينظر الله تعالى لعاق والديه.

15- تعجيل عقوبة العاق لوالديه في الدنيا قبل الآخرة.

16- بر الوالدين بعد وفاتهما.

17- ملخص ما جاء في الخطبة.

18- الدعاء.

طريقة استخدام الارتباطات التشعبية:

- قف على العنصر المراد قراءته ثم اضغط كلك يمين ثم اختر فتح ارتباط تشعبي.

1- مقدمة:

إن الحمد لله تعالى نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أيها الناس أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى، هي وصية الله للأولين والآخرين، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ}[النساء:131]، فاتقوا الله عباد الله؛ ثم أما بعد:

2- مناسبة الخطبة:

طلبني أحد الإخوة الأفاضل بعد خطبة الجمعة الماضية أن تكون هذه الخطبة عن بر الوالدين، وربما كان بعضنا بارًا بوالديه لكن البعض يحتاج إلى تذكير في بيان التقصير في حقوق الوالدين خاصةً مع طول العشرة، مع طول عشرة الإنسان مع أمه وأبيه قد يُخطئ الإنسان في حق أمه وأبيه، وقد ينشغل الإنسان في ملذات الدنيا أو ينشغل في أعماله، وينسى في النهاية والده ووالدته الذين أمر الله سبحانه وتعالى بالإحسان إليهما، نزولاً عند هذه الرغبة الكريمة أحببت في هذه الخطبة أن تكون خطبتنا عن عقوق الوالدين، وعن التقصير في حقهما، ومن يرى من الإخوة المصلين أي موضوع مهم يحدثني به لعلي – إن شاء الله – أفرد له خطبة.

خطبة عقوق الوالدين:

لن أتكلم في هذه الخطبة عن صور العقوق، وصوره كثيرة، ولكني سأذكر ببرهما، بر الأم وبر الأب وبر الخالة، فإن الخالة داخلة في الأمومة، وقد جاء في حديث عن النبي r أنه سأل رجل: «ألك أم؟» قال: لا، قال: «ألك خالة؟» قال: نعم، قال: «برها»، فأمر النبي r ببر الخالة، وعمومًا ندخل في صلة الأرحام، أرحامنا وأهلنا، ثلاثة عشر نقطة تتعلق ببر الوالدين.

3- اقتران حق الوالدين بحق الله:

الأولى: من باب التذكير: أن الله تعالى قرن حقهما بحقه.

يعني أمر الله تعالى أن يفرد الرب العبادة، فلا تصلي إلا له ولا تركع إلا له، ولا تتوكل إلا عليه، ولا تنظر إلا له، أعمال ظاهرة وباطنة، كلها لله.

الأعمال الظاهرة: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام:162]، أعمال ظاهرة تصليها، تعملها.

وأعمال باطنة يعني أعمال داخل قلبك، اعتقادات قلبية من الرغبة والرهبة والحب والتوكل والخشية والإنابة، هذه كلها لله، إن صرفتها لغير الله فقد أشركت به سبحانه وتعالى.

أمر الله تعالى بأن تُفرد العبادة له، ثم أمر سبحانه وتعالى تعقيبًا لذلك أن يبر الإنسان بوالديه: {وَقَضَى رَبُّكَ} يعني: أمر ربك، {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} يعني: أمر ألا يُعبد إلا الله، وأمر بالوالدين إحسانا.

وقال الله تعالى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ} يعني: كما تشرك الله قائمًا وقاعدًا وعلى الطعام، وعلى الجلوس وفي دخولك وخروجك، وكذلك اشكر لوالديك، طبعًا السبب في هذا: أنهما سبب في وجودك، سبب وجودك في هذه الدنيا أمك وأبوك، لولا الأم والأب لما كنت أنت موجود.

وهناك في الحقيقة نقطة ملحوظة قد لا يلحظها كثير من الناس: أن الوالدين هما سبب في نسبك، وكثير من الناس يعتبر مجهول النسب، يعني: أنت لا تشعر بهذه النعمة، أنت ما تشعر بنعمة أنك منسوب لأم وعندك أخوال، ومنسوب لأب وعندك أعمام، وتُنسب وأخذت جنسية بناء على هذا، وأخذت أوراق رسمية بناء على أبوك، أنت لا تشعر بهذه النعمة، بينما حُرم من هذه النعمة كثير من مجهولي الوالدين.

كثير من اللقطاء اللي هما ما له ذنب في الحقيقة، اللقيط ما له ذنب، رجل تعدى على امرأة وأخطأ في امرأة فأنجبت هذا الولد ووضعته في دار الرعاية، أو تركته يتيمًا، هذا الولد نشأ لا ذنب له أصلاً، ولذلك لا مانع من دخوله الجنة إن أصبح صالحًا ومشي في طريق سلك الصالحين فهو من أهل الجنة، هذا الولد محروم من الأبوة اللي أنت تتمتع بها، هذه من النعم التي لا نحس بها، ما تحس بهذه النعمة: أن أمك وأبيك هما السبب في نسبك، عندك نسب، عندك أخوال، عندك أعمام، تحمل أوراق رسمية، تفتخر أن هذا أبوك وهذا أمك، أما مجهول الأبوين فإنه محروم من هذه النعمة، وربما عاش حياته كلها وهو يبحث عن أبٍ حقيقي أو أم حقيقية له.

إذًا الأول: أن الله تعالى أمر بالإحسان إليهما، وأمر بشكرهما؛ لأنهما تعبا عليه صغيرًا، وربياه واهتما به، فأمر الله تعالى بالإحسان، وفي الحقيقة الإحسان إلى الأبوين شيء طبيعي فطري في الإنسان، يعني: أنت تُحسن أو تُكرم من أحسن إليك هذا شيء فطري، ما أحتاج إلى أن أوصيك؛ لكن نظرًا لكثرة النسيان في الإنسان ذكره الله تعالى، شيء فطري أن تحب أمك وأبيك أصلاً، أمك وأبوك تحسن لهم، لكن كثرة النسيان في الإنسان،.

وتمرد الشباب، الله تعالى يعطيهم قوة، ويعطيهم طاقة، ويعطيهم مال، فيتمرد الأولاد على الآباء، ويقولون له: خلاص، ليس شغلك، كيف؟ صرت كبير أنا، الآن أنا عمري ثمانية عشر أدخل البيت مثلما أريد وأطلع مثلما أريد، حقك تتصل علي، أنا لست جاهلا لتسأل عني، وهكذا يتمرد الأولاد على الآباء، هذا ليس تحجير عليهم، هذا من باب حرص الأب على أولاده ومحافظته عليهم، فيبدأ الأبناء بالعقوق تحت مسمى الحرية، أو تحت مسمى بلوغ السن القانوني، أو تحت مسمى أنا كبير خلاص، صرت رجل.

وهكذا البنت ما ترد البنت وما تكلمها، ولا تسأل عنها، ولا تتدخل في ملابسها، ولا تتدخل حتى في مكياجها، ولا تتدخل في خروجها ودخولها، ولا تتدخل حتى في تليفوناتها، وترى أن هذا نوع من التدخل في الخصوصية، ولو طاحت في مشكلة أول ما تذهب لهم هم، وهو لو طاح في مشكلة أول ما يتصل بأبيه.

ولذلك أمر الله تعالى بالرفق والإحسان إليهما، وأنك كما تفرد الله في العبادة، كذلك ألحق ذلك بشكر الوالدين والإحسان إليهما.

4- أمر الله تعالى بالإحسان إلى الوالدين:

ثانيًا: الله تعالى أمر بصحبتهما والإحسان إليهما ولو كانا كافرين.

لو كان الأب كافر، نمرود، فرعون، مهما كان: أمر الله تعالى بالإحسان إليه، يعني بمصحابتهما في الخير.

انظر لإبراهيم – عليه الصلاة والسلام – كيف تعامل مع أبيه، أبوه كافر، بل أبوه رأس في الكفر؛ لأن أبوه كان سادن من سدنة الأصنام، سادن: أي خادم الأصنام، كان والد إبراهيم من خدم الأصنام، اشتغل في حياتك كلها وهو يخدم الشرك والكفر، ومع هذا إبراهيم يقول له: يا أبتي، يا أبتي، يا أبتي تلطفًا من إبراهيم – عليه الصلاة والسلام –؛ ولذا قال الله تعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}.

وجاء عن أسماء بنت أبي بكر – رضي الله عنها – قالت: يا رسول الله، إن أمي جاءتني راغبة - يعني: جاءت طامعة في فلوس، محتاجة، انكسرت فزارتني – أفأصلها يا رسول الله؟ قال: «نعم» بري أمك، صليها، أعطيها، أنفقي عليها، أحسني إليها، لعل الله تعالى أن يهديها.

أهدي لعمر بن الخطاب t برد، أهدي له بش مثل هذا، أحسن من هذا لعمر بن الخطاب، فبعثه لأخٍ له كان في مكة، واحد من إخوانه يقال غير عمر أهداه له، فبعثه لواحد من الكفار حتى يلين قلبه إلى الإسلام، ويحسن إليه لعله يرق، لعله يلين، لعله يرى مدى إحساننا.

فإذًا هذا ثانيًا: أمر الله سبحانه وتعالى بالإحسان إلى الأبوين ولو كانا كافرين، فإن الإنسان مأمور أن يحسن إليهما.

5- بر الوالدين باب من أبواب الجهاد:

ثالثًا: برهما إنما هو باب من أبواب الجهاد.

كما جاء عن عبد الله بن عمرو، قال: جاء رجل إلى النبي r، فاستأذن النبي في الجهاد، فقال له النبي r: «أحي والداك؟» أبويك أحياء أو أموات؟ قال: نعم، يعني: أمي وأبي أحياء، وهو يريد أن يخرج غازيًا، وجهاد في عهد النبوة، وجهاد في القرن الأول، وجهاد مع رسول الله r، يعني: هذه قمة القمة ما في أفضل منها! فقال له النبي r: «أحي والداك؟» قال: نعم، قال: «ففيهما فجاهد»، يعني: جاهد في أمك وأبوك، كأن النبي r علم أنه ليس لهذا الأب إلا هذا الولد، قال: «ففيهما فجاهد».

وجاء عن أنس t قال: أتى رجل إلى النبي r فقال: يا رسول الله، إني أشتهي الجهاد، لا أقدر، فقال النبي r: «هل بقي من والديك أحدٌ؟» قال: أمي، قال أريد أن أجاهد لكن لا أقدر، أريد أن أجاهد، الناس قاعدة تغزو وتجاهد، أنا ما أقدر لظروفي الخاصة، قال: بقى أحد من أمك وأبيك؟ قال: نعم، أمي حية، قال: «فأبل الله من برهما» يعني: بلهم بالبر، واصلهم بالبر، قال: «فأبل الله من برهما، فإن فعلت ذلك فأنت حاجٌ ومعتمر» لو فعلت وبريت أمك وأبوك وبليتها بالبر أنت حاجٌ ومعتمر. رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط، قال ابن المنذر: (إسناده جيد) وحسنه العراقي والهيثمي.

ومعنى: «فأبل الله في برهما» أي: أحسن فيهما بينك وبين الله ببرك إياها، يعني: أحسن في التعامل مع أمك وبرك لها فكأنك حاجٌ ومعتمر.

وجاء في بعض الأحاديث قال: قدم النبي r بر الوالدين حتى على الجهاد في سبيل الله، جاء في حديث ابن مسعود، قال: قلت يا رسول الله، أي العمل أفضل؟ - دلنا أحسن الأعمال ما هي؟ - قال: أي العمل أفضل؟ قال: «الصلاة على وقتها» إذا أذّن تروح تصلي، هذا أفضل القربات إلى الله، قلت: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين»، قلت: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله».

هذا ترتيب أفضل الأعمال عند النبي r بعد الإيمان بالله، إذا أذّن تروح تصلي، وبعد ذلك الخطوة الثانية تبر بوالديك، الخطوة الثالثة: أن تجاهد في سبيل الله، فهي من أفضل الأعمال والقربات عند الله سبحانه وتعالى.

6- طاعة الوالدين موجبة للجنة:

الرابع: طاعتهما موجبة للجنة.

إذا تطيع أمك أوبوك تدخل الجنة، والله لو يصير عمرك مائة سنة، وعندك أم وأب تبرهما: تدخل الجنة، ما تبرهم: لو عمرك ألف سنة تدخل النار، تدخل جهنم، ولذلك كانت طاعة الأبوين باب من أبواب الجنة.

كما جاء عن أبي هريرة t قال: سمعت النبي r يقول: «رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه» قيل: من يا رسول الله؟ - رغم أنفه كلمة تقولها العرب كأنها دعوة عليك بالهلاك، يعني التصق أنفك في الترابه، هذا معنى رغم أنفه، يعني: لا وفقك الله، يعني: لا بارك الله فيك، يعني: أنت غير مسدد في تصرفاتك، هذا معنى رغم أنفه، أبعده الله – قال: «رغم أنفه» ثلاث مرات، قيل: من يا رسول الله؟ قال: «من أدرك والديه عند الكبر، أحدهما أو كلاهما ثم لم يدخل الجنة». رواه الإمام مسلم.

اللي يدرك أمه أو أبوه وهما كبار لم يكونا سبب في دخوله الجنة أبعده الله، هذا خسران، هذا ضائع، ما استطاع أن يستغل وأن يستفيد من هذا الباب.

وجاء عن أبي الدرداء قال: سمعت النبي r يقول: «الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه». رواه الترمذي وصححه الألباني.

الوالد يقول العلماء: أوسط يعني: أسهل، أسهل باب يدخلك للجنة الأب، أسهل من الجهاد، الجهاد فيه تضحية، أسهل من قيام الليل، فيه تعب، أسهل من كثرة الصدقات فيها مال، لماذا؟ السبب: لأن بر الأب شيء طبيعي فيك أنت، يعني: لما تحسن حق أبوك شيء طبيعي، فهذا أبوك في النهاية، يقولون لواحد: الشقة ماسك أبوك الدور ..، أقول: هذا أبي في النهاية، أنا ما سويت جميل، الجميل له ليس لي أنا، هذا الجميل الذي تفعله أنت مع أبيك بالفطرة، شيء فطري معك أنت، هذا باب للجنة، أنت تفعله فطرة، لكنه أسهل بابٍ للجنة، «الوالد أوسط أبواب الجنة» قيل: أوسط بمعنى أسهل، أسهل وأيسر باب يدخلك الجنة باب الوالد، تقدر تبره، تحسن إليه، تنفق عليه، تعطيه، تؤنسه، تتخذه صاحبًا لك، تطلع معه، تبره، تحب رأسه، تقبله، تفعل كل ما يريده الأب في الطاعة، هذا باب سهلٌ يسير إلى الجنة، أو كما قال r.

وجاء في حديث معاوية بن جاهمة: أن جاهمة جاء إلى النبي r، فقال: يا رسول الله، أردت الغزو وجئت أستشيرك – معاوية بن جاهمة قال: إن جاهمة، يحدث عن أبوه، يقول: جاء جاهمة إلى النبي r فقال: يا رسول الله أردت الغزو وأردت أن أستشيرك، فقال: «هل لك من أم؟» يا جاهمة عندك أم؟ قال: نعم، قال: «فالزمها، فإن الجنة عند رجليها» هذا اللي يقول عنه الناس: "الجنة تحت أقدام الأمهات" هو هذا الحديث، هذا الحديث صحيح عن النبي r، قال: «الزمها فإن الجنة عند رجليها». حديث رواه أحمد، وصححه الحاكم، وأقره الذهبي، وحسنه الألباني، قال: «الزمها فإن الجنة عند رجليها».

ورواه الطبراني في الكبير بلفظ: «ألك والدان؟» قلت: نعم، قال: «الزمهما، إن الجنة تحت أرجلهما»، قال المنذر: إسناد الطبراني هذا إسناد جيد، يعني: هذا حديث صحيح ثابت عن النبي r.

إذًا بر الوالدين باب إلى الجنة، الزم قدمها: أي: خليك تحتها، ليس بمعنى أن يمسك رجلها، الزم قدمها يعني: خليك قريب منها كقرب رجلها عندها، رجلها مثلما تريد ترفع رجلها، ومتى ما تريد تحط رجلها، متى ما تريد تحرك رجلها، أنت كن هكذا، كن قريبًا منها كقرب رجلها منها، فإن هذا باب من أبواب الجنة العظيم الذي فرّط الناس فيه.

7- رضا الله معقود برضا الوالدين:

خامسًا: رضا الله معقود برضا الوالدين.

إذا كان طبعًا الوالدين صالحين، فإن الله تعالى يجعل من رضاهما رضًا له، يعني: إذا رضي عنك الأبوين: الله تعالى يرضى عنك، إذا كان الأبوين صالحين مستقيمين، إذا سخط عليك الأب والأم: الله يغضب عليك إذا كان الأب والأم صالحين، لكن إذا كانوا ضائعين هذا شيء آخر.

فالله تعالى من باب الإحسان إليهما ربط رضاه برضاهم، كما ربط الله رضاه برضا النبي r، وربط محبته بمحبة النبي r، يعني: إذا تريدون أن يحبكم الله: خلي النبي يحبكم، إذا يحبكم النبي r الله يحبكم، إذا يغضب عليكم النبي r الله يغضب عليكم، نفس العملية انقلها للأبوين، إذا أمك وأبوك يحبونك فالله يحبك، إذا أمك وأبوك يسخطون عليك فالله يسخط عليك، إذا أمك وأبوك يدعون الله لك الله يستجيب لهم، إذا كان الأبوان صالحان.

قد جاء في حديث عبد الله بن عمرو – رضي الله عنهما –: أن النبي r قال: «رضا الله في رضا الوالد، سخط الله في سخط الوالد» رواه الترمذي وصححه ابن حبان والحاكم والألباني، ورواه الطبراني بلفظ: «رضا الرب في رضا الوالدين، وسخط الرب في سخطهما»، قال الألباني: هذا حديث صحيح.

رضا الله في رضا الأبوين، وسخط الله في سخط الأبوين، إذًا ابحث عن رضاهم، ابحث عن كل بابٍ يوصل إلى رضاهم، فلوس أعطهم، قبل رأسه قبل رأسه، أقضي مشاوير أقضي مشاوير، أزوره أزوره، ماذا يريد أعمل له، وأصبر عليهما.

هو الحقيقة في بعض الأحيان يكون الأب مؤذي، كبر وخرف، وأحيانًا تكون الأم نفس الشيء، هذا الآن البر، الآن مطلوب منك البر، ما مطلوب منك البر إذا كان الأب غني ومرتاح، مطلوب منك البر إذا بدأ الأب يخرف، يحتاج إلى تحمل.

يقول واحد جاءني لهذا المسجد، قال: شيخ، أمي خرفت في آخر حياتها، وإلى درجة أنها لا تريدنا في البيت، إذا زرناها طردتنا، حتى أن أغراضنا اللي في البيت شالتها وقطتها برا، تقول: أقدر أقطكم في الزبالة حتى أنتم وليس فقط أغراضكم، ماذا أفعل معها؟ قلت له: برها، واصل برها، الآن مطلوب منك البر، يُطلب منا البر، لا في حال الرضا، لا في حال الصحة والعافية، يُطلب منا البر في حال الكبر، إذا كبر الأب خرّف، إذا كبرت الأم خرّفت، وأصبح مقعدًا، الآن تحتاج إلى البر، كما قال النبي r: «رغم أنف امرئٍ أدرك أبويه» أو والديه «في الكبر» أي: وهم كبار، وما دخلاه الجنة، هما يحتاجان البر منك في حال الكبر أكثر من حاجتهما من برك في حال صحتهما وعافيتهما.

8- الوالدين سبب لمغفرة الذنوب:

السادس: الأب والأم سبب لمغفرة الذنوب.

إن كثرت ذنوبك، وهذا حديث عجيب الحقيقة، يمكن أكثركم أول مرة يسمعه، إذا كثرت ذنوبك وخطاياك وتريد مساحة تسوي مسح لكل ذنوبك وخطاياك، إحسانك لأمك وأبيك باب سريع معجل يغفر الله تعالى من خلاله ذنوبك وخطاياك كلها يشيلها.

كما جاء في حديث عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما –: أن رجلاً أتى النبي r، فقال: يا رسول الله، إني أصبت ذنبًا عظيمًا، فهل لي من توبة؟ - حديث عجيب، اسمع الحديث، قال: يا رسول الله، إني أصبت ذنبًا عظيمًا، فهل لي من توبة؟ - فقال النبي r: «هل لك من أم؟» قال: لا، قال: «فهل لك من خالة؟» قال: نعم، قال: «فبرها» انظر إلى النبي دله على باب التوبة، قال: يا رسول الله أصبت، ما قال الذنب ما هو، قال: أصبت ذنبًا عظيمًا، وهذا في القرن الأول، ويفهم معنى الذنب العظيم، قال: يا رسول الله أصبت ذنبًا عظيمًا، والنبي ما قال له: روح حج، ولم يقل له: روح صوم، ولم يقل له روح اذبح ذبائح، قال: عندك أم؟ قال: لا، قال: عندك خالة، قال: نعم، قال: برها، جواب على سؤاله أنه باب للتوبة، وأنه باب يمح الله تعالى فيه الذنوب والخطايا. رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وصححه ابن حبان.

وعن مالك بن عمرو قال: قال النبي r: «من أعتق رقبةً مسلمة فهي فداؤه من النار» اللي يعتق رقبة مسلمة الله يجعلها فداء له، فكاكًا من النار، «ومن أدرك أحد والديه ثم لم يُغفر له فأبعده الله وأسحقه» اللي يدرك أبويه والله لم يغفر له، أبعده الله وأسحقه، رواه الإمام أحمد، وهو حديث حسن عن رسول الله r.

9- بر الوالدين سبب في تفريج الكربات:

السابع: برهما سبب في تفريج الكربات.

إذا أردت أن الله تعالى يفرج عنك كربة أو يرفع عنك مرض، أو يزيل عنك مصيبة، أو يدفع عنك قضاء: عليك ببر أمك وأبيك، مع أن برهما فترة، ما يحتاج، لكننا نذكر، والنبي يضع أحاديث ليدفع الناس دفعًا إلى بر الوالدين.

ويدل على ذلك: قصة الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة في الغار، قصة مشهورة في بني إسرائيل: ثلاثة أووا في الليل ودخلوا في غار، صار أمتار، دخلوا في كهف، طاحت عليهم صخرة من الجبل، سكر فم الجبل، الكهف سكر، صخرة عظيمة ما يقدروا يحركونها، كل واحد قال: ندعو الله بأحسن أعمالنا، هذا دعا الله بأحسن عمل عنده، الثاني دعا الله بأحسن عمل عنده، تزحزحت قليل، تزحزحت قليل لكن ما انفتحت، الثالث دعا الله بأفضل عمل عنده، وقال: يا رب أنا كان عندي إبل، أحلب هذه الإبل، ما أشرب ولا أشرب عيالي من هذه الحليب حتى يشرب أبي وأمي، فجئت إليهما بالليل فإذا هما نائمان، أخذت الغبوق، يعني: الحليب الذي يُحلب بالليل، أخذته وظللت ماسكه لحين قاعد من النوم، عيالي يبكون، زوجتي تريد الحليب، يريدون أن يتعشون ما عشيتهم، إكرامًا لأمي وأبي، حتى قعدت للصبح، ولما أفاقوا من النوم أعطيتهم هم أول شيء، فشرب أبي ثم شربت أمي الغبوق، من الليل، وبعد ذلك أعطيت عيالي، يا رب هذا أفضل عمل، ففرج الله تعالى عنهما.

إذًا بر الوالدين سبب في تفريج الكربات، إذا عندك مصيبة، عندك كرب، عندك مرض مستعصي، عندك أزمة، عندك معاملة واقفة، عندك شيء ما يتحرك: دعاء الوالدين، يحرك لك، يفتح لك أبواب السماء المغلقة، ويحرك لك الصخور الجامدة، ويفطر لك القلوب المتحجرة، دعاء الوالدين، ويفرج الله سبحانه وتعالى به ويتمم الله على عبده المنة، ويفرج الله تعالى عنه الكرب.

10- بر الوالدين سبب في إطالة العمر وتوسيع الرزق وحسن الخاتمة:

الثامن: بر الوالدين سبب في أن يطيل الله في العمر، ويوسع لك في الرزق، ويحسن لك الخاتمة.

طبعًا طول العمر، ما طول، أعمارنا محدودة مكتوبة، لكن أهل العلم يقولون: طول العمر يعني البركة، يعني في عمر ثلاثين سنة تنجز ما لم ينجزه غيرك بمائة سنة، يعني في يوم واحد الله يجعل لك من أعمال الخير التي تعملها ما لا يفعلها غيرك بمائة سنة أو حتى بسنة كاملة، هذه المباركة، الله يبارك لك في عمرك، فتعيش أنت يوم واحد، هذا اليوم يكون في صلاة ونوافل وصدقات وأعمال خير، وأعمال بر، والإحسان إلى الناس، بينما نفس اليوم الأربعة وعشرين ساعة قد ضاع على غيرك، فالله يبارك لك في هذا اليوم، ونفس الشيء يبارك لك في الأسبوع، ونفس الشيء يبارك لك في الشهر، ويبارك لك في السنة، وتنجز أعمالك، ويجعلك الله تعالى مباركًا أينما كنت، هذه طولة العمر، كما يقول أهل العلم: طولة العمر المبارك.

إذا أردت أن يبارك الله لك في عمرك ويحسن لك الخاتمة، يوسع عليك الرزق: عليك ببر الأم وببر الأب، فهما سبب لذلك، كما قال r في حديث أنس: «من أحب أن يُبسط له في رزقه، وينسأ» يعني: يؤخر «له في أثره: فليصل رحمه» متفق عليه.

وجاء عن علي t قال النبي r: «من سره أن يُمد له في عمره، ويوسع له في رزقه، ويُدفع عنه ميتة السوء: فليتقِ الله وليصل رحمه». قال المنذري: رواه عبد الله بن أحمد في الزوائد، والبزّار بإسناد جيد، وبر الوالدين أعلى درجة من درجات صلة الرحم.

من أراد أن الله يوسع عليه في رزقه، يدفع عنه ميتة السوء: عليه أن يصل رحمه، أعلى درجات صلة الرحم: برك بأمك وبأبيك لأنهما أقرب الناس إليك رحمًا أو كما قال r.

11- دعوة الوالدين مجابة:

التاسع: دعوة الأب ودعوة الأم دعوةٌ مجابة.

دير بالك يدعو عليك أبوك أو تدعو عليك أمك، فإن دعوتهما ليس بينها وبين الله حجاب، إذًا استغل هذا الخير، استغل هذه الدعوة أن يدعو لك بالخير، كما جاء في قصة جريج العابد:

هذا جريج العابد قصته طويلة، لا أريد ذكرها، لكن بنو إسرائيل تميزوا بالعبادة والعلم، لكن ليس بالدعوة، علماء بنو إسرائيل كانوا أعبد الناس، إحنا لا شيء عندهم أصلاً، حتى جاء في بعض الروايات: أن النبي r - رواية وإن كان فيها ضعف – قصّ النبي لأصحابه عبادات بني إسرائيل:

أن ستة من رهبان بني إسرائيل عبدوا الله ألف شهر فلم يعصوا الله لحظة، ألف شهر، أكثر من ثلاثة وثمانين سنة عبادة، لا كذبوا، ولا نظروا إلى حرام، ولا فتروا عن صلاة، ولا تأخروا عن صدقة، ولا اغتابوا أحد، ولا ناموا عن قيام، ولا تأخروا عن صيام، شيء أسطوري، حدثهم عن عباد بني إسرائيل، ولذلك عبادات بني إسرائيل فوق الخيال.

قال الله: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} يعني: ترهبنوا، وفعلوا أشياء واعتزلوا الناس في الجبال، نحن ما طلبنا منهم هذا، فشق ذلك على الصحابة، يُقال: فأنزل الله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ}[القدر:1-3] يعني الصحابة جثوا على الركب، قالوا: يا رسول الله، من يقدر أن يعبد الله ألف شهر، لا يطلع يمين ولا شمال، ألف شهر ما تتكلم، ألف شهر ما في غيبة، هذا لا نقدر عليه، فخر الصحابة – في رواية فيها ضعف – فأنزل الله تعالى عليهم: {لَيْلَةِ الْقَدْرِ} أن عبادتكم في هذه الليلة تعدل عبادة عُبّاد بني إسرائيل ألف شهر.

في العبادة بنو إسرائيل ما في مثلهم، في العلم ما في مثلهم، كانوا من أعلم الناس – بنو إسرائيل – علم واستحضار وقوة حجة، ومناظرات، لكن كانوا أكسل الناس في الدعوة، دعوة إلى الله، الخروج إلى الناس، دعوة الناس، إصلاح الناس ما يسوون، علماء عباد فقط، أما أمة النبي r فكانت أمة قد جمعت الثلاثة: أعطاهم الله العلم، أعطاهم الله العبادة، أعطاهم الله الدعوة، {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} نحن أخرجناها للناس، السبب: {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} فهي أمة دعوة إلى الناس.

هذا جريج العابد بالمناسبة كان من عباد بني إسرائيل يعتزل الناس، فنادته أمه، قالت له: يا جريج، فقال: ربِ أمي، صلاتي، أمي صلاتي، أصلي أو أمي، قالت: يا جريج، قال: ربِ أمي، صلاتي، أمي، نادت: يا جريج، ما رد عليها، فقالت: اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات، يعني لا يموت هذا اللي مسوي نفسه عابد، اللي ما يرد عليّ حتى تريه وجوه البغايا، والمقصود من ذلك: أن يُتهم وتصير له مشكلة مع البغايا.

وبالفعل أصاب جريج مصيبة كبيرة وردت في حديث من الأحاديث: أن بني إسرائيل أرادوا أن يقلبون عليه الناس، فأتوا إلى جارية، بنت يدفعون لها فلوس، وقالوا لها: روحي لجريج وخليه يقع معك في الزنا، راحت لجريج وحاولت معه ما قدرت، فذهبت إلى راعي غنم فوقع عليها ثم حملت ثم أتت إلى الناس، وقالت: هذا اللي مسوي نفسه شيخ، اللي معتزل الناس في صومعة، أنا حملت منه، هذا جريج العابد، فأتوا إليه بالصومعة كسروا صومعته على رأسه وهدموها، في قصة مشهورة طويلة، وأوتي بجريج فقال: أعطوني الطفل، فأعطوه الطفل، فنخذه وقال: من أبوك؟ قال: أبي الراعي، طفل صغير توه مولود، قال له: من أبوك؟ قال: أبي راعي الغنم، فالناس تأسفوا من جريج وبنو له قبة من ذهب مرة ثانية.

الشاهد: أن دعوة الأم مستجابة ولو كنت أنت جريج حتى، لو أنت تصير جريج دعوة أمك مستجابة فيك، فاتقِ دعوة الأب والأم، كما أخبر النبي r.

وقال r في حديث آخر رواه أحمد وصححه، وكذلك ذكره القرطبي وقال الإمام الذهبي: سنده قوي، وحسنه الألباني، قال: «ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن» ثلاث دعوات ما فيهم شك مستجابات، لا شك فيهن: «دعوة الوالد على ولده، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم» إذا دعا عليك الأب أو دعت عليك الأم، واحدة بواحدة، وإذا دعوت وأنت مسافر الله يستجيب لك، وإن دعا عليك المظلوم: فيا ويلك من الله، «ثلاث دعوات مستجابات لاشك فيهن» لكن الله يؤخرها، ممكن يستجيب الحين، ممكن يطلعها في عيالك، ممكن تطلع بعد ذلك، لكن لا شك فيهن، أو كما قال r.

12- أنت ومالك لأبيك:

العاشر – حتى أختصر عليكم –: الولد وأمواله ملك لأبيه.

أنت وأموالك ملك لأبيك؛ لأن الأب هو سبب في وجودك، عن جابر والحديث حسن: أن رجلاً قال: يا رسول الله، إني لي مالاً وولدًا، وإن أبي أراد أن يجتاح مالي، عندي فلوس وعندي ابن وعندي عيال، وجاء الأب فأراد أن يجتاح، يجتاح يقول العلماء يعني: يستأصل، يلم كل شيء، يأخذ الابن، يأخذ الخيام، يأخذ كل شيء، وإن أبي أراد أن يجتاح مالي، ماذا أفعل؟ أتهاوش مع أبي؟ فاشتكى إلى النبي r، فقال له النبي r: «أنت ومالك لأبيك»، أنت وفلوسك ملك لأبيك.

والمقصود بذلك: الوصول إلى حلٍ وسطٍ حسن، لا أنك تصادمه، رواه ابن ماجه، قال البصيري: إسناده صحيح، وصححه الألباني، وله شاهد آخر من حديث عبد الله بن عمرو، ولفظه: «أنت ومالك لأبيك، إن أولادكم من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب أولادكم»، كأن النبي r أرشده أن يعطي أبوه ويراضيه، «كلوا من كسب أولادكم» فهذا حق الأب على ابنه.

وفي حديث أبي هريرة أن النبي r قال: «لا يجزئ ولد والدًا إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه» يعني: لا تستطيع أن ترد حق أبوك إلا أن تلقى الأب عبد مملوك فتشتريه ثم تعتقه.

13- عقوق الوالدين من أكبر الكبائر:

الحادي عشر: عقوقهما من الكبائر.

الكبائر أي: تُدخل جهنم، إذا عقيت أمك وأبيك فأنت داخل في جهنم، كما جاء عن أبي بكرة: قال النبي r: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر» ليس فقط الكبائر بل أكبر الكبائر، «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر» ثلاثًا، ثلاث مرات يقولها، قلنا: بلى يا رسول الله، قال: «الإشراك بالله وعقوق الوالدين» وكان متكئًا فجلس، قال: «ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور» فمازال يكررها r.

«الإشراك بالله وعقوق الوالدين» ليس من الكبائر بل من أكبر الكبائر، أن تعق بأبويك.

14- لا ينظر الله تعالى لعاق والديه:

الثاني عشر: العاق لأبويه لا ينظر الله له يوم القيامة.

لا ينظر له بمعنى: نظر رحمة، ولا نظر عطف، ولا نظر استجابة لندائه ودعائه، وإنما يُهمل ويترك كما ترك أمر الله بالإحسان للأبوين، الله أمرك بالإحسان حق أبيك وأمك، لماذا لا ترد عليهم؟! لماذا لا تبر بأمك وأبيك؟! مثلما أنت أهملت أمر الله، الله راح يهملك يوم القيامة كما جاء عن النبي r في حديث جبير بن مطعن، قال: قال النبي r: «لا يدخل الجنة قاطع رحم» متفق عليه. يعني: لا يدخل ابتداءً، يؤخرونه حتى يُعذب، والوالدان أقرب الأرحام.

وعن ابن عمر مرفوعاً قال: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه» ما يطلع عليك الله يوم القيامة ولا يرد عليك، «العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنان في عطائه»، هؤلاء الثلاثة الله لا يرد عليهم، اللي يعطي يقول: إحنا سوينا لك، إحنا اللي توسطنا، إحنا اللي وظفنا عيالكم، إحنا اللي أعطيناكم، ما زلنا يدنا عليكم، ها دول الله لا يطلعهم يوم القيامة؛ لأنهم أبطلوا صدقاتهم بالمن والأذى، ومدمن الخمر الذي مات وهو يشرب الخمر فلم يتب إلى الله منه، هذا الله لا يرد عليه، ولا ينظر له، ويصيح يوم القيامة ولا أحد يرد عليه.

والثالث: من عقَّ بوالديه فإن الله سبحانه وتعالى لا ينظر إليه، رواه النسائي والبزار بإسنادين جيدين، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، أو كما قال صلى الله عليه وآله وسلم.

15- تعجيل عقوبة العاق لوالديه في الدنيا قبل الآخرة:

الأخير، الثالث عشر في بر الوالدين: أن العاق تُعجل له العقوبة في الدنيا قبل الآخرة.

وهذا من أعجب الأحاديث وأعظمها، من يعق أمه وأبوه الله يعجل له عقوبته في الدنيا قبل الآخرة، كما جاء عن أنس بن مالك، قال النبي r: «بابان معجلان عقوبتهما في الدنيا قبل الآخرة» بابان: يعني عملين معجلةٌ عقوبتهما في الدنيا قبل الآخرة، ما هما؟ قال النبي r: «البغي والعقوق»، البغي: يعني التعدي على الناس، يعني: ظلم الناس، يعني: أذية الخلق، «بابان معجلان عقوبتهما في الدنيا قبل الآخرة: البغي والعقوق» رواه الحاكم وصححه، ووافقه الذهبي والألباني.

وعن أبي بكرة مرفوعًا، قال النبي r: «ما من ذنبٍ أجدر أن يُعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم»، ما من ذنب الله يعجل عقوبته في الدنيا مع ما ينتظر صاحبه من جهنم في القيامة من البغي يعني التعدي على الناس وقطيعة الرحم.

قال أهل العلم: وقد بوَّب عليه البخاري في كتاب الأدب المفرد (باب عقوبة عقوق الوالدين، وعقوق الوالدين أعظم من قطيعة الرحم)، يعني قطيعة الرحم أعظم القطيعة أن تعق بأمك وبأبيك.

أما صور العقوق إن شاء الله خطبة قادمة أتكلم عن أشكال عقوق الوالدين، لكن هذه الخطبة للتذكير، أن نتذكر أنهما بابٌ من أبواب الجنة على الإنسان أن يُحسن إليهما لعل الله سبحانه وتعالى أن يجعلهما سبب في دخلونا إلى الجنة، وسببٌ للرحمة والمغفرة.

أقول ما تسمعون، أستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله خير خلق الله والمرسلين، صلى الله عليه وسلم على آله وصحبه والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين؛ وبعد:

16- بر الوالدين بعد وفاتهما:

من مات والده أو والدته فله أبوابٌ أخرى من البر، يمكن الإنسان في فترة من الفترات ما انتبه لأمه ولا لأبيه وراحوا، ماتوا الله يرحمهم، عندك أبوابٌ أخرى من البر لأمك وأبيك:

الدعاء لهما بابٌ من أبواب البر، بناء المساجد أو أعمال الوقف لهما بعد وفاتهما بابٌ من أبواب البر، تحفر له بئر حق أبيك، توقف له مصحف يقرأ الناس منه وتقول: الله اقبله مني واجعل ثوابه لأبويَّ هذا باب من أبواب البر.

كونك تحج عنهما أو تعتمر لهما هذا باب من أبواب البر، تتصدق وتنوي الصدقة لهما هذا باب من أبواب البر، حتى ختم القرآن أجازه الإمام الشافعي رحمه الله: أن يقرأ الإنسان القرآن ثم إذا ختم يدعو الله تعالى فيقول: اللهم تقبله مني واجعل ثوابه لأبويّ هذا باب من أبواب البر، تبني لهم مسجد باب من أبواب البر، تحفر لهم بئر باب من أبواب البر، فهذا من أبواب البر.

من أبواب البر: أنك تصل أصحابهم، تروح حق الديوانية اللي كان يقعد فيها أبوك وتشوف الشيبان ربيع والدك وتبرهم، هذا باب من أبواب البر، تبر بخالاتك اللي هما أخوات أمك هذا باب من أبواب البر، تزورهم وتدعو الله سبحانه وتعالى لهم على الدوام هذا باب من أبواب البر.

فكلها أبوابٌ من أبواب البر تلحقك بعد وفاة أمك وأبيك، فإن الإنسان إذا مات أُغلقت صحيفته وأعماله خلاص، من يموت الأم والأب يسكرون ملفه، ولا يبقى يُكتب فوق هذا الملف من ملفات ملحقة وإضافية إلا ما فعل الوالد في حياته، ومن ضمن ما فعل ابنٌ صالحٌ يدعو له «إذا مات ابن آدم انقطع عمله» يعني: سُكر ملفه، سكرنا ملفه خلاص ما فيه شيء، «إلا من ثلاث: ولدٌ صالحٌ يدعو له، علمٌ يُنتفع به، صدقة جارية» هذه تنفع.

وجاء في أحاديث أخرى: مسجد بناه، طريق سواه، بئر لابن السبيل، أو يتيم كفله، أبواب أخرى تجري عليه بعد موته، إذا مات الأب فاجعل نفسك الدفتر الملحق الذي يلحق بحسنات أبيك بعد وفاته.

17- ملخص ما جاء في الخطبة:

أعود فألخص هذه الخطبة لعل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بها، ذكرنا في هذه الخطبة: فضل بر الوالدين، وأن عقوق الأبوين بابٌ معجلٌ من أبواب جهنم.

أولًا: الله سبحانه وتعالى قرن حقهما بحقه {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}[الإسراء:23].

ثانيًا: الله تعالى أمر بصحبتهما والإحسان إليهما ولو كانا كافرين.

الثالث: أن برهما من الجهاد، وقد ذكرت لكم حديثًا أنه جاء رجل إلى النبي r يشتهي للجهاد، فقال له النبي r: ألك أبوين؟ ثم أمره أن يلزم أمه فثمة الجنة.

الرابع: طاعة الأبوين موجبةٌ للجنة، بل هما أسهل باب يُدخلك إلى الجنة.

الخامس: رضا الله معقودٌ برضا الوالدين، يعني: إذا رضي عنك أبوك وأمك وكانا صالحين فإن هذا سببٌ في رضاء الله تعالى.

السادس: برهما سببٌ في أن يغفر الله تعالى لك الذنوب، كما ذكرنا لكم في الحديث أن رجلًا قال: يا رسول الله أصبت ذنبًا عظيمًا، قال: ألك أم؟ قال: لا، قال: ألك خالة؟ قال: نعم، قال: برها. فإذا أردت أن يتوب الله عليك عليك ببر الأم وبر الأب.

السابع: برهما سببٌ في تفريج الكربات، وذكرنا قصة الثلاثة الذين دخلوا إلى الغار.

الثامن: برهما سببٌ في أن يوسع الله عليك في الرزق، ويبارك الله تعالى لك في العمر، ويدفع عنك ميتة السوء.

ميتة السوء: يعني مسوي معصية والله يأخذك بالمعصية هذه، هذه ميتة السوء، واحد يعني غلط وأثناء غلطه الله أخذه مات، هذا يسمونها ميتة السوء، واحد قاعد يشرب وطاح ومات، واحد يأكل ربا وما تاب من الربا ومات.

واحد فعل معصية ومات هذا يعني الله ما أعطاه مجال يتوب، يسمونه ميتة السوء، أو يسمونه أخذ الفجأة، أخذ الفجأة يعني كما قال النبي r: «موت الفجأة أخذة أسف» يعني: إذا أخذ الله الإنسان فجأة وهو قائم على ذنوبه فهذه أخذة غضب، «أخذة أسف» يعني غضب من الله سبحانه وتعالى.

فالله تعالى يدفع عنك ميتة السوء برضا الوالدين، فيدفع الله تعالى عنك هذه الميتة وهي ميتة السوء.

التاسع: دعوة الوالد والوالدة دعوةٌ مستجابة ليس بينها وبين الله حجاب.

العاشر: الولد وماله ملكٌ لأبيه، فعلى الأولاد أن يُحسنوا لآبائهم.

الحادي عشر: عقول الوالدين هو من أكبر الكبائر، ليس كبائر فقط بل أكبر الكبائر أن تعق أنت بوالديك.

الثاني عشر: أن العاق لوالديه لا ينظر الله تعالى إليه يوم القيامة، ولا يدخله الجنة ابتداءً حتى يعذبه الله تعالى.

الثالث عشر: أن العاق معجلةٌ له العقوبة في الدنيا قبل الآخرة مع ما ينتظره، بابان معجلان: البغي وقطيعة الرحم، اله تعالى يُعجل هذه العقوبة للإنسان.

18- الدعاء:

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا وإياكم وأولادنا وبناتنا إلى سواء السبيل، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار، اللهم ارحم ضعفنا، اجبر كسرنا، تولى أمرنا، اختم بالصالحات أعمالنا، لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عينٍ ولا أقل من ذلك، اجعلنا يا رب هادين مهديين غير ضالين ولا مضلين، سلمًا لأوليائك، حربًا على أعدائك، نحب بحبك من أحبك، ونعادي بعداوتك من خالف أمرك، اجعل يا رب اجتماعنا هذا اجتماعًا مرحوما، واجعل تفرقنا من بعده تفرقًا معصوما، لا تجعل فينا ولا معنا ولا بيننا ولا حولنا شقيًا ولا محروما، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات المؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنك يا ربنا سميعٌ قريبٌ مجيب الدعوات، اللهم اغفر لوالدينا كما ربيانا صغارا، اللهم اغفر لوالدينا كما ربيانا صغارا، اللهم اغفر لهم وارحمهم، من كان ميتًا منهم فأكرمه، ومن كان حيًا منهم فأحسن إليه برحمتك يا أرحم الراحمين، يا رب اجعل بلدنا هذا آمنًا مطمئنًا وعموم بلاد المسلمين، اللهم اجعل بلدنا هذا آمنًا مطمئنًا وعموم بلاد المسلمين، اللهم اجعل بلدنا هذا آمنًا مطمئنًا وعموم بلاد المسلمين، يا رب قنا الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن إنك على ذلك قدير وبالإجابة جدير.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ على آله وصحبه والتابعين

   طباعة 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
8 + 3 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المقال السابقة
المقالات المتشابهة المقال التالية
جديد المقالات
جديد المقالات
تحرير المرأه - خطب الجمعه
اليأس - خطب الجمعه
المنافقون ودورهم فى نكبات الامه - ركــــن الـمـقـالات

RSS

Twitter

Facebook

Youtube