كل المواد الموجوده للشيخ طارق الطواري

اليأس

عرض المقال
اليأس
1475 زائر
31-03-2015
أ.د طارق الطواري

فهرس الموضوعات

1- المقدمة.

2- تعريف اليأس.

3- أقسام اليأس:

أ- يأس المذنب من أن يتوب الله سبحانه وتعالى عليه.

ب- اليأس من رحمة الله.

ت- اليأس من إجابة الدعاء.

ث- التشاؤم من اليأس.

4- ملخص ما جاء بالخطبة.

5- المانع من اليأس والقنوط.

6- الدعاء.

طريقة استخدام الارتباطات التشعبية:

- قف على العنصر المراد قراءته ثم اضغط كلك يمين ثم اختر فتح ارتباط تشعبي.

1- المقدمة:

إن الحمد لله تعالى نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أيها الناس أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى، هي وصية الله للأولين والآخرين، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ}[النساء:131] فاتقوا الله عباد الله؛ ثم أما بعد:

2- تعريف اليأس:

خُلقٌ رديءٌ إذا دخل إلى نفس البشرية وعشش وسكن بها فإنه مؤذنٌ بالهلاك إنه خُلق الظالمين، إنه خُلق الكافرين، هذا الخُلق يجب أن يكون أبعد شيءٍ عن حياة المؤمن، إنه اليأس، "اليأس القنوط العجز التشاؤم" كلها صورٌ لمعنى واحد؛ ولذلك نهى الله سبحانه وتعالى أن يتسلل اليأس لقلوب العباد المؤمنة، فإن اليأس إذا تسلل إلى قلب العبد المؤمن أقعده.

لك أن تتصور داعي يائس، يائس من أن يغير الله تعالى أحوال الناس، يائس من أن يتوب الله تعالى على المذنبين، يائس من أن ينصر الله تعالى المظلومين، ماذا سيعمل هذا؟ سيقعد في بيته لأن اليأس قد تسلل إلى حياته، فإذا تسلل اليأس إلى حياة الإنسان فإنه مؤذنٌ بهلاكه.

ولذا عرَّف العلماء اليأس، فقالوا: اليأس: انقطاع الطمع من الشيء، لا تطمع برحمة الله، لا تطمع بمغفرة الذنوب، لا تطمع بتغيير الأحوال، لا تطمع بنصرة المظلومين، لا تطمع بنزول الرحمة، إذا انقطع رجاؤك من الرحمة فهذا هو اليأس.

وقال ابن الجوزي: اليأس: القطع على أن المطلوب لا يتحصل لتحقيق فواته، يعني ما راح يعطي خلاص ولا يتحصل لك الذي تريده هذا يسمى اليأس.

قال الشوكاني: القنوط هو إياسٌ من رحمة الله، والقنوط هي شدة اليأس؛ ولذلك قال أهل العلم: القنوط أشد من اليأس وهي درجةٌ أعلى.

لك أن تتصور أن الإنسان تدخل وتتسلل إلى حياته اليأس والكآبة والقنوط والإحباط، فلا نجاح، ولا سعادة، ولا توفيق، ولا يرى الحياة إلا سوداء، لا يتفاءل بنصرٍ قادم، ولا برحمةٍ نازلة، ولا بمغفرةٍ للذنوب بل هو متشائم دائمًا، عنده سوء الظن بالله وسوء الظن بالأحوال أن الله تعالى لا يغير شيء، حياته سلبية، لا يستمتع بالحياة أبدًا، كل ذلك نابعٌ من نفسه التي عشش وتسلل إليها القنوط.

أيها الشاكي وما بك داء

كن جميلًا ترى الحياة جميلًا

فإن السعادة غالبًا تنبع من نفس الإنسان من الداخل، إنك إذا نظرت إلى الحياة بسعادةٍ وتفاؤل فإنك ستراها بيضاء، وإذا نظرت إلى الحياة بتشاؤم وبسوداوية ستراها سوداء.

ومن يكُ ذا فمٍ مرٍ مريضٍ

يجد مرًا به الماء الزلالا

أي: إذا كنت مريضًا وحياتك سوداء فإنك سترى السعادة مرةً، وسترى الحياة البيضاء سوداء.

تعالوا معنا نتحدث عن اليأس وموقف الشرع الحكيم أو الشارع الحكيم من اليأس.

اليأس: هو قنوتٌ من نزول الرحمة اليأس: هي نظرةٌ سوداوية، اليأس: هو أن الإنسان يعتقد أن لا رجاء لما يريد وقد فاته الأوان أن ينزل عليه أو يتحصل ما يريد.

3- أقسام اليأس:

يُقسِّم العلماء اليأس إلى أربعة أقسام أو إلى أقسامٍ عدة:

أ- يأس المذنب من أن يتوب الله سبحانه وتعالى عليه:

أولها وأعلاها: اليأس من أن يغفر الله سبحانه وتعالى ذنبك، فيأس المذنب من أن يتوب الله سبحانه وتعالى عليه، فيُبعد نفسه عن رحمة الله تعالى، ويراكم على نفسه الذنوب والخطايا اعتقادًا بأن الله تعالى لا ولن يغفر له.

ممكن عندنا قصة، قصة الرجل في بني إسرائيل اللي قتل تسعة وتسعين نفسًا، فإنه لما أراد التوبة ذهب يسأل عُباد الأرض، فذهب إلى عابد فقال له العابد: لا توبة لك، فتسلل اليأس إلى قلبه، قال: ما فيه توبة نكملهم مائة، فقتله وأكمل به المائة، لكن الرحمة دخلت إلى قلبه فعاد يسأل مرةً أخرى.

إن اليأس من أن يغفر الله لك أي ذنبٍ كان إنما هو مؤذنٌ بأن تأتيك الشياطين وتحوم حولك، بل وتتلذذ في الذنوب بعدما تيأس من رحمة الله تعالى، فتتراكم عليك الذنوب، وترى نفسك هالكًا، فأنت خائبٌ متمادي في الذنوب لأنك يئست من رحمة الله تعالى.

لقد أسرف الصحابة على أنفسهم في الجاهلية كثيرًا، منهم من قتل، منهم من سرق، منهم من زنا، يكفي أنهم كانوا في الشرك وهو أعظم ذنب ومع ذلك ناداهم الله تعالى جميعًا إلى باب التوبة: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}[الزمر:53].

فليس ثمة أحدٌ غفور إلا الله تعالى، وليس ثمة أحدٌ رحيم إلا الله تعالى فأقبلوا على الله، لا تيأس مهما كثُرت ذنوبك، مهما فعلت من الخطايا، فالله تعالى يقبل، والله يسامح، والله يعفو، وإنما شرع الله تعالى التوبة حتى يتوب على الناس، وإلا لماذا دعا الناس للتوبة؟ من أجيل أن يتوب على الناس، بل يفرح الله تعالى بتوبة عباده، وهذا دليلٌ على أنه يحب التوابين؛ ولذا أعقبها بآياتٍ أخرى فقال: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}[البقرة:222].

ورحمة الله تعالى واسعة: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ}[الأنفال:38] ، أكثر من هذا ماذا يقول؟! {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ}، إذا تبتم تاب الله تعالى عليكم {وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ}، إذا تستمروا على الكفر فسنة الله في الكافرين واضحة معلومة.

فإذًا أول باب من أبواب اليأس: أن ييأس الإنسان من أن يغفر الله تعالى له الذنوب، مهما فعلت من ذنب أو خطيئة أو جُرم في حق الله سبحانه وتعالى فرحمة الله تعالى واسعة.

يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة

فلقد علمت بأن عفوك أعظم

إن كان لا يرجوك إلا محسنٌ

فمن الذي يدعو ويرجو المجرم

إن المجرم يرجو الله تعالى، والتائب يرجو الله تعالى، والله رب الجميع يغفر ويعفو {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمِ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا}[النساء:110]، أي عبدٍ يعمل سوء أو يظلم نفسه أو يخطئ ثم يُقبل على الله يجد الله غفورًا رحيما.

إذًا أول باب من أبواب اليأس: أنك تيأس من أن يغفر الله تعالى لك ذنبك.

هناك حديث مشهور عظيم: رجل من بني إسرائيل كان يمر على أخٍ له أو صديق، فكان يقول له: اتقِ الله ولا تفعل، لا تسوي، وبعدين ثاني يوم يقول له: اتقِ الله ولا تفعل، فيقول له هذا المذنب: خلي بيني وبين ربِ، هذا بيني وبين الله تعالى، ثم في اليوم الثالث أو بعد فترة قال له: والله إن لم تدع – يعني: هذا الذنب – فلن يغفر الله لك أبدًا، فالله تعالى أوحى إلى نبي ذاك الزمان: «من ذا الذي يتألى عليَّ» يعني من ذا الذي يُغلق باب رحمتي أني لن أغفر لفلان فيتألى عليَّ «قد غفرت له» – أي لهذا المذنب – «وأحبطت عملك».

يعني أنت العامل العابد ما قبلت عملك ورديتك لأنك أغلقت بابًا من أبواب الرحمة وهي أن الله تعالى يغفر لعباده، ولو أراد الله تعالى معاقبة العباد على ذنوبنا، لو الله يعاقبنا على ذنوبنا ما يبقى على وجه الأرض من دابة، لو أخذنا الله بالذنوب ولا واحد يعيش فينا، وهذا دليلٌ على أن كل العباد مخطئ كما قال r: «كل بني آدم خطاء، خير الخطاءين التوابون إلا من عصم الله تعالى»، لو ربنا يؤاخذنا على ذنوبنا ما يعيش أحد، كلنا نموت وكلنا نهلك كما قال الله تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ} [فاطر:45] أي: المكلفين، ما يترك الله يدب عليها لا إنس ولا جن لأن الذنب واقعٌ منا جميعًا.

فهذا دليل على أن الله يعفو ويسامح ويغفر، بل أن الله سبحانه وتعالى يفرح بتوبة عباده، بل يبدل سيئاتنا إلى حسنات، السيئات يقلبها الله سبحانه وتعالى إلى حسنات.

إذًا هذا أول نوع من أنواع اليأس: أن ييأس الإنسان من أن الله تعالى يغفر له، فييئس الكافر من أنه أذنب كثير فلا يرجع إلى الإسلام، وييئس العاصي من أنه يتوب فيتوب الله عليه، وييئس المرابي، وييئس الزاني، وييئس شارب الخمر، وتيئس المتبرجة، وييئس الظالم من أن الله تعالى لن يغفر لهم وهذا بابٌ من الشيطان فتحه عليك.

وإذا كان الإنسان يعتقد هذا، أن الله تعالى لا يقبل منه فهو تسللٌ من الشيطان، يتسلل إلى نفسك حتى يجعلك تنغمس أكثر في الذنوب، خليك استمر الله ما راح يتوب عليك، من يقول الله يقبل توبتك؟! من يقول الله يسامحك؟! من يقول أن الله تعالى ما يؤاخذك بما فعلت؟! كل هذه المسطرة الطويلة من السيئات والسجلات من الخطايا تريد الله يغفرها لك بحج؟! تريد الله يغفرها لك بصلاة ركعتين؟! الآن يوم كبرت وشبعت الآن تقول: تبت إلى الله؟!

وهكذا يفتح على العبد أبواب من الشيطنة حتى يصده عن سبيل الله فييئس، يعني سكِّر باب التوبة، يقنط، ييئس، يُغلق الرجاء، خلاص ما فيه أمل أن الله تعالى يتجاوز عما مضى، ويستمر الإنسان في ذنوبه وينهمك في الذنوب وتحول حوله الشياطين {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ}[الزخرف:36-37]، ماشيين إلى جهنم ويظنون أنهم مهتدون.

إذًا هذا الباب الأول من أبواب اليأس: اليأس من أن يغفر الله تعالى لك الذنوب والخطايا.

ب- اليأس من رحمة الله:

الباب الثاني: اليأس من رحمة الله، وهذه أوسع أبواب اليأس، وتدخل داخلها صور عديدة، ومن ذلك:

اليأس من الرزق: فيظل الفقير يائسًا من أن الله تعالى يغير حاله، وأن الله تعالى يُفرِّج كربه، وأن الله تعالى يفيض عليه بالخير، يقول خلاص سكَّرت في كل مكان، أنا حسبتها: هذا معاشي، وهذه التزاماتي لن تزيد أموالي، ونسي أن الرزق أشكالٌ وأنواع.

المباركة بالصحة رزق، المباركة بالأولاد رزق، تعيش ممتعًا بصحةٍ وعافية لا تعاني من أمراض ولا أسقام هذا نوع من الرزق، أن يجعل الله تعالى لك القبول في الأرض نوع من الرزق، عندك عيال هذا نوع من الرزق، فالرزق ليس فقط مال وإنما له أشكالٌ عدة.

إذا يئس الإنسان من رحمة الله، ولليأس من رحمة الله صور، أعلاها: اليأس من الرزق، فييأس الإنسان أن الله تعالى لن يرزقه شيء وخلاص لن تتغير أحواله.

والرزق كما يعرِّفه العلماء على قسمين:

* رزقٌ يأتي بغير حساب، أنت ما وضعت في الحسبان لهذا الرزق حسبان أبدًا هذا رزق، {إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}[آل عمران:37]، هذا كل عبد، الله يعطي العبد رزق هو ما حطه في حسبانه، كأن يرزقك الله ابنًا ويصير هذا الابن أنت ما حطيت في حسابك أن يكون هذا الابن عالم، أو يصير تاجر، أو يصير مسئول، أو الله يفيض عليه الخير فأتاك الرزق من باب ها الولد هذا، هذا رزقٌ بغير حساب أنت ما وضعت له حساب، أو يأتيك رزق مال، الله سبحانه وتعالى يرزقك بميراث، أو بتثمين أو بأي شكل من الأشكال، أيًا كان من صور الأرزاق هذا يأتيك بغير حساب منك.

* والباب الثاني من الأرزاق: أرزاقٌ بأسباب.

تعمل أنت بالأسباب فتتحصل على أرزاق، تشتغل تحصل على فلوس، تتزوج تحصل على أولاد، هذه أرزاقٌ بأسباب، وكل واحد من العباد الله يعطيه رزقين: يعطيه رزقٌ بغير حساب ورزقٌ بحساب.

رزقٌ بحساب بالأسباب، ورزقٌ بغير حساب هو ما وضع لها حساب، وليس شرطًا أن يكون مال، قد يكون صحة، قد يكون عافية، قد يكون نجاة من ألم، نجاة من مصيبة، نجاة من حادث، صلاح في الأولاد هذا رزقٌ أنت ما حسبت له حساب، الله سبحانه وتعالى أفاض به عليك.

فهذا بابٌ من أبواب اليأس من رحمة الله أن ييأس الإنسان من أن يرزقه الله سبحانه وتعالى شيئًا.

الباب الثاني من أبواب اليأس من رحمة الله أو الصورة الثانية: اليأس من نصر الله كمن يقاتل، يقاتل يقول: خلاص، بعد ملينا بعد، ما نقدر، ما يتغير الأحوال.

مثل الحين: إخواننا في سوريا صاروا والله الآن دخلوا في السنة الثالثة، خلاص إذا تسلل اليأس لقلب العبد فإن الإنسان يقنط خلاص، تتحول حياته إلى سلبية، تتحول حياته إلى تشاؤم ما يقدر يعمل شيء، ولكن لا ييأس الإنسان {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} يعني: أصحاب الرسل وليس الرسل، {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ} يعني: من مع الرسل، قالوا للرسل: متى نصر الله، جاء فرج الله تعالى، {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ}[يوسف:110]، فينجي الله سبحانه وتعالى من يشاء.

فالصورة الثانية من صور اليأس من رحمة الله: اليأس من النصر، فييأس الإنسان من أن النصر لم يأتِ ولن تتغير الأحوال، يقول لك: كيف تتغير الأحوال؟ بيده السلاح، بيده القوة، بيده كل شيء ونسي أن الله سبحانه وتعالى على كل شيءٍ قدير، وأنه سبحانه وتعالى ييسر أسباب النصر بأسبابٍ وصورٍ لا يعلمها العباد، وإنما يدبر الله سبحانه وتعالى، وربما أتى بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف وهم لا يشعرون.

ولذلك هذه صورة ثانية من صور اليأس من رحمة الله: اليأس من نصر الله، فييأس الإنسان من أن الله لن يغير الأحوال، بلى سيغير الله سبحانه وتعالى الأحوال، وسيجعل الله سبحانه وتعالى هذه الأرض قسطًا وعدلًا كما مُلئت ظلمًا وجورًا، وقد جاء ذلك على لسان النبي r: «وليبلغنَّ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار، ولا يدع الله تعالى بيتًا وبرٍ ولا مدرٍ» – يعني: لا بيت حضر ولا بدو، لا بنيان ولا بيت شعر – «إلا دخله الإسلام بعز عزيزٍ أو بذل ذليل»، يدخل يُعتز بالإسلام أو يدخل ويذله الإسلام ويدخل على رأس هذا الإسلام، وهذا بشرى من النبي r، لكن فترة تتغير هذه الأحوال بإذن الله سبحانه وتعالى.

الثالث: اليأس من ارتفاع ظلم الظالم، وهذا يأس من رحمة الله، كأن يكون الإنسان مظلوم مقهور، عليه واحد ظالم متسلط عليه سجنه أو عذبه أو استخدمه أو أهانه أو استغله فييأس الإنسان من أن الله لن يرفع عنه هذا الظلم، وهذا مصادمٌ لعقيدتنا بأن الله تعالى يرفع الظلم عن المظلوم ولو بعد حين، الله يشيل الظلم، لكن الله تعالى يبتلي العبد، فإذا وصل إلى الإنسان حال اليأس والقنوت والسلبية والتشاؤم بأن الله لن يرفع عنه الظلم إن كان مسجونًا، أو لن يرفع الله تعالى عنه الظلم إن كان مظلومًا فهذا خللٌ في عقيدته فلا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، يعني: هذه عقيدة الكفار وليس عقيدة أهل الإيمان.

اليأس من رحمة الله له صورةٌ رابعة، ذكرنا:

  • الصورة الأولى: اليأس في الرزق.
  • والثانية: اليأس في النصر.
  • والثالثة: اليأس من ارتفاع الظلم.
  • الصورة الرابعة من صور اليأس من رحمة الله: اليأس من شفاء المريض.

فيصل الإنسان إلى مرحلة يقول: خلاص، الله ما يشافيني، وين يشافيني الله؟! السرطان أكل جسمي كله وين الله يشافيني؟! أنا مقعد صار لي عشرين سنة وين الله يشافيني؟! هذا يأس من رحمة الله تعالى، لا تدري لعل بقاءك هو عداد حسنات ماشي فالله منزل عليك رحمة وأنت ما تدري، لا تدري لعل مرضك إنما هي حسناتٌ وأجورٌ مفتوحةٌ لك لو شفاك الله سكَّر الباب هذا عليك، كما قال r: «إن الله إذا أحب عبدًا ابتلاه».

يعني: اللي الله يبتليه وهو مؤمن، هذا الله يحبه، «إن الله إذا أحب عبدًا ابتلاه، وما يزال البلاء في المؤمن في نفسه، ماله، ولده» ما يزال البلاء: استمرار، «في نفسه، ماله، ولده حتى يلقى الله وليس عليه خطيئة»، كل ما أنت صابر في البلاء الله يرفع درجتك، تطلع تطلع تطلع فوق إلى أن تصل إلى الفردوس الأعلى، حتى إذا العبد يوم القيامة ورأى منزلته عنده عالية، قال: ربِ من للمنزلة هذه؟ حطيتني فوق مع الأنبياء والصديقين، أنا الفجر أصلي، كيف وصلت الدرجة هذه؟! قال: البلاء، الله تعالى ابتلاك صبرت، ابتلاك الله بنفسك، بعيالك، بمالك وأنت صابر شاكر محتسب ذاكر، تقول: الحمد لله، والله تعالى يرفع في درجتك، يرفع حتى وصلك إلى هذه الدرجة، وهذا حديثٌ صحيحٌ عند الترمذي، قال فيه r: «إنه لتكون للعبد درجة عند الله لا يبلغها فيبتليه ويبتليه ويبتليه حتى يبلغه هذه الدرجة».

إذا الصورة الرابعة من صور اليأس من رحمة الله: أن ييأس الإنسان من الشفاء، أن الله تعالى لن يشافيه، لا ما أيأس، ما أيأس وأظل أدعو وأسأل الله تعالى أن يغير الأحوال وأن يُنزل الله تعالى على عباده الصبر.

  • الصورة الخامسة من صور اليأس من رحمة الله: اليأس من أن يغير الله أحوال العباد.

يقول واحد: خلاص، ما تتغير أحوال الناس، خلاص انتهينا، أمم متحدة، دول عظمى، اتفاقية سايكس بيكو قسموا العالم الإسلامي خلصت القضية، لا يتغير الحال، هذا يأس، بل يتغير في أحوال الناس كثير، إن الذي يدبر الأمور ويخططها هو الله، لكن فترة زمنية ستين، سبعين، مائة سنة ليست شيء في عمر الدنيا، لكن مطلوب منا ألا نتأفف ولا نيأس ونعمل المطلوب منا، ما نقعد ننتظر والله حتى تتغير الأحوال، ولا ينزل عيسى ابن مريم، ولا يطلع محمد بن عبد الله المهدي، ولا ينزل لنا شيء من السماء - لا - مطلوب منا أن نعمل.

نعمل في إصلاح أمتنا، إصلاح بلدنا، إصلاح الناس، أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، نجاهد في سبيل الله، نقدم لهذه الأمة ولهذه البشرية تتغير الأحوال، الله سبحانه وتعالى يغير الأحوال، لكننا إذا ما غيرنا أعمالنا ما تتغير أحوالنا، إن تؤدي نفس الأعمال تأخذ نفس النتائج، تغير أعمالك تتغير أحوالك، تغير الأعمال تتغير الأحوال؛ ولذلك الله سبحانه وتعالى طلب من الناس أن يعملوا وهو يغير لهم أحوالهم سبحانه وتعالى.

إذًا الصورة الخامسة من صور اليأس من رحمة الله: أن ييأس الإنسان من ألا يغير الله أحوال الناس.

وفي الحقيقة هذه الصورة إذا تسللت – وهي أخطرها – إلى قلوب العباد فإن الإنسان لن يعمل، لا واحد يأمر بالمعروف ولا ينهى عن منكر، ولا بعدين نخطب نسكِّر المسجد ونروح، ما نخطب، ما فيه داعي، ما راح تتغير أحوال الناس خطبت ولا ما خطبت، قبلك الناس بمائة سنة يخطبون ما تغير شيء، ولن يدعو الداعي، ولن يجاهد المجاهد، ولن يتصدق المتصدق، ولن يضحي المضحي، ولن نقيم شعائر للدين، قال لك: خلاص، تغير أنت، هذه الدنيا خلاص استقرت عليه وهذا ليس صحيحًا.

وإنما مطلوب علينا أن نعمل وعلى الله النتائج، الله متى شاء أن يغير أحوال العباد يغيرها هذا بيد الله، لكن مطلوب منا إن إحنا نعمل، إحنا مطلوب منا أن نأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر، ونقيم الشعائر، ونقيم شرع الله، وننصح، وندعو الناس للخير والتغيير على الله، متى تأتي الهداية من الله؟ متى يغير الله؟ هذا عند الله، لكن مطلوب نحن في الفترة الزمنية التي نعيشها خمسين ستين سنة أن نؤدي دورنا، لعلنا نبذر لأجيال تأتي بعد مائتين سنة.

يعني: النبي r لما بذر في المدينة، الثمار ما قُطفت في عهد النبي r، النبي r مات وارتدت العرب كلها، النبي r مات وما سقطت أعظم دولتين تهدد الكيان، فارس والروم ما طاحت أصلًا، قائمة بكل قوتها وجبروتها، لكنه r غرس غرسًا وبذر بذرًا بدأ الناس يجنون هذا البذر بعد وفاة النبي r بخمسين، ستين سنة، بعدما توفي النبي r جاءت بعد خمسين ستين سنة أعوام الفتوح والنصر الإسلامي، وبعدين مائة، مائتين، ثلاثمائة سنة حتى بُسط على العالم الإسلامي، بُسطت الشريعة وبُسط الدين على العلم، فعلينا أن نبذر والثمار على الله.

أصحاب الكهف بذروا ومشوا راحوا ناموا، الله تعالى قال: روحوا ناموا ارتاحوا، بذروا وبعد ثلاثمائة وتسع سنوات الله تعالى أراد أن يريهم أن الذي يرعى الثمار هو الله، أنتم فقط حطوا بذرتكم وامشوا روحوا، راحوا ناموا وبعد ثلاثمائة وتسع سنوات خرجوا من منامهم ومن كهفهم فإذا البلد والمَلِك والمُلك والناس والمدينة كلها تغيرت وصارت مسلمة ببذرةٍ بذروها قبل ثلاثمائة سنة.

فنحن علينا أن نبذر، ما نيأس أبدًا، نناطح ونزاحم أهل الفساد ولا نيأس أبدًا لكثرة انتشار الفساد، ولا لكثرة المنكرات، ولا لقلة الصالحين، ولا لتأخير النصر، وإنما نزاحم أهل الباطل، ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، وننشر الخير، وندعو الناس إلى الخير، ونبذر في الأمة والثمار على الله سبحانه وتعالى لعله يأتي أن تُجنى هذه الثمار ولو بعد حين.

إذًا هذه الصورة الثانية من صور اليأس: اليأس من رحمة الله، وهذه الصورة لاشك أنها محرمة كما قال الله تعالى: {وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ}[يوسف:87].

الصورة الثالثة من صور اليأس، قلنا:

الصورة الأولى: أن ييأس الإنسان من مغفرة الذنوب.

الصورة الثانية: أن ييأس الإنسان من رحمة الله، ولها أشكال.

ت- اليأس من إجابة الدعاء:

الصورة الثالثة: اليأس من إجابة الدعاء.

فييأس الإنسان من أن يستجيب الله تعالى له دعاءه، فيدعو بصلاح عياله، ما انصلح عياله، يدعو بصلاح زوجته ما انصلحت زوجته، يدعو بتوفيقه في التجارة كلها خسران، يدعو بنجاحه ما ينجح فييأس من ذلك، يدعو بالهداية لواحد من عياله ما اهتدى فييأس ويترك الدعاء، فهذه من أخلاق الكفار، وإنه يُستجب لأحدكم كما جاء عن النبي r في حديثٍ متفق عليه: «يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يُستجب لي».

يعني: إذا وصل الإنسان إلى مرحلة اليأس وترك الدعاء فإنه لن يستجاب له، فهذه صورة من صور اليأس أن الإنسان يترك الدعاء، يقول: .. خلاص، الولد وضاع، والزوجة ومرضت، وخسارة وحلت علينا، فلماذا يدعو الإنسان؟ فيترك الدعاء، وهذه صورة من صور اليأس، وقد قال r: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة» أخرجه الترمذي، وحسَّنه الألباني، يعني: إذا دعوت الله فليكن في قلبك يقين أن الله مستجيب مستجيب لك.

ث- التشاؤم من اليأس:

الصورة الرابعة وهي الأخيرة من صور اليأس: التشاؤم.

وهو خلقٌ سلبي ناتجٌ من ضعف الإيمان وقلة الخبرة في الحياة، يجعلك دائمًا سلبي عاجز متردد يائس وهو مصادمٌ للرجاء وهو ركنٌ من أركان الإيمان ففي الرجاء التفاؤل.

وقد كان r يُعجبه التفاؤل أو الفأل الحسن، والناس يجتمعون ويحب المتفائلين، ويتجنب كل إنسانٍ متشائم، كان النبي r يعيش حياته بالتفاؤل مع كثرة المصاعب، وكثرة المشاكل، وكثرة الحروب لكن كان يعيش حياته بالتفاؤل، نام فرأى رؤيا r فقال لأصحابه: «أبشروا خيرًا».

جاء لهم سهيل بن عمرو في صلح الحديبية فتفاءل r باسمه، قال: «هذا سهيل سهَّل الله أمركم»، يعني: هذا رجلٌ عاقل لعل له من اسمه نصيب أن يسهِّل الله تعالى لكم أمركم.

فما كان r يتشاءم أبدًا، يتشاءم بأيام، ولا يتشاءم بتواريخ، ولا يتشاءم بأشخاص ولا غيره، لكن كان يعجبه r الفأل الحسن؛ ولذلك الخلاص من اليأس إذا أردت أن تتخلص من اليأس: عليك بالاستعانة بالله تعالى دائمًا، وأن تنفي عنك العجز كما قال r: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز» لأن العجز درجة من درجات اليأس.

فهناك أمور يمكن أن تسعى في تحصيلها، أو تحصيل جزء منها، أو أن تدفعها عن نفسك، أو أن تخفف وطئها عليك، فعليك أن تبذل المجهود وتستعين بالله تعالى.

فيه أمور ممكن تحصِّلها، عليك أن تستعين بالله ما تيأس وتبذل المجهود، وفيه أمور ما تقدر عليها هذه عند الله سبحانه، فقل: «قدَّر الله وما شاء فعل»، وهناك أمور لا يمكن لك أن تحصِّلها ولا أن تدفعها فاطمئن أنها من عند العليم الخبير، فقل: «قدَّر الله وما شاء فعل».

أمور ممكن تدفعها، أمور ممكن تعمل لها، وأمور فوق إرادتك وخارج تخطيطك وفوق عقلك فاتركها لله سبحانه وتعالى وقل: قدَّر الله أو قَدَرُ الله وما شاء الله سبحانه وتعالى فعل.

وأخطر صور العجز أو أخطر صور اليأس: أن يعجز الإنسان عن العمل مع ضعف الهمة لأنه يؤدي إلى اليأس، أخطر صور اليأس أن يعجز الإنسان ويتوقف عن العمل، يأسَ الإنسان ثم عجز عن كل شيء فتوقف عن العمل، لذا أرشد r فقال: «لا تيأس، لا تعجز، استعن بالله»، وقال الله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}[الطلاق:3]، {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}[غافر:60]، وقال r: يقول الله: «أنا عند ظن عبدي، فليظن عبدي بما يشاء» يعني: أنا مهما ظننت بي خير فأنا موجودٌ قريبٌ منك إن تتوكل عليَّ أعطيك.

فلذلك اطرد اليأس من حياتك أبدًا، لا تقطع الرجاء بالله تعالى، لا تقطع الأمل بأن يشافي الله تعالى المريض، وأن يهدي الله تعالى الضال، وأن يرزق الله تعالى الفقير، وأن يرفع الله تعالى الظلم عن المظلوم، وأن ينصر الله تعالى المستضعفين، وأن يتوب الله تعالى على التائبين، لا تيأس أبدًا، ارفع عن نفسك اليأس، عِش في هذه الحياة متفائلًا.

أيها الشاكي وما بك داء

كن جميلًا ترى الوجود جميلًا

إذا كنت سعيد ترى الحياة سعيدة، إذا كنت جميل ترى الحياة جميلة، إذا كنت مريض ترى الحياة مرة وترى الحياة سوداء، ولذلك إذا نظرت إلى الحياة بما فيها من سعادة ستسعد، وإذا جعلت الحياة كلها المصيبة التي تعيش بها فإنك لن تسعد أبدًا.

أسأل الله تعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى، أقول ما تسمعون، أستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله خير خلق الله والمرسلين صلى الله عليه وسلم على آله وصحبه والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين؛ وبعد:

4- ملخص ما جاء بالخطبة:

أعود مرة ثانية أُعيد بعض ما ذكرت في هذه الخطبة للفائدة.

القنوط، اليأس: هو استبعاد الفرج وقطع الرجاء من رحمة الله تعالى، {قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ}[الحجر:56]؛ ولذلك قال العلماء: اليأس درجة أعلى من القنوط لأن اليأس خُلق الكافرين، {إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ}، فاليأس متعلق بالكافرين، القنوط: درجة شوي أقل كما يقول العلماء لأن القنوط درجة تتعلق بالضالين، أما اليأس: درجة تتعلق بالكافرين.

ولذا الله تعالى قال عن القنوط: {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} اللي ما عرفوا طريق الحق هؤلاء قنطوا، هذه درجة أقل، اليأس لها درجة أعلى وهي أخلاق الكفار إحنا نبي نبتعد عنها، ولذلك يقول سيد قطب رحمه الله في كتابه الضِلال: "وبرزت كلمة الرحمة: {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ}، قال: برزت كلمة الرحمة معناها الحقيقي أنه لا يقنط من رحمة ربه إلا الضالون، الضالون عن طريق الله الذين لا يستروحون روحه ولا يحسون برحمته، ولا يستشعرون رأفته وبره ورعايته لخلقه".

فأما القلب الندي بالإيمان، المتصل بالرحمن فلا ييأس ولا يتلبد عن رحمة الله سبحانه وتعالى، ولا يقنط مهما أحاطت به الشدائد ومهما ادلهمت حوله الخطوب، ومهما غالبه الظلمة فإن رحمة الله سبحانه وتعالى غالبة.

5- المانع من اليأس والقنوط:

ويمنعنا من اليأس والقنوط عدة أمور، ما يجوز لنا أن نيأس من رحمة الله ولا نقنط لعدة أمور:

الأول: إيماننا بالله قوي بقضائه وقدره، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، والإيمان القدر خيره وشره من أركان الإيمان وأصول العقيدة.

ثانيًا: يمنعك من القنوط الثقة بوعد الله تعالى وبنصره لمن أطاعه، وبدافعه عن الذين آمنوا، وهو سبحانه وتعالى لا يُخلف الميعاد أبدًا، لكنه يبتلي العباد كما قال الله تعالى: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}[الروم:47].

الثالث: يمنعنا من القنوط واليأس وعيد الله الشديد على اليائسين لكونه من القنوط من رحمة الله تعالى، وهو سوء ظنٍ بقدر الله تعالى واستبعاد لوعد الله تعالى ونصره، وهذا إنما يتصف به الضالون وقد يرتفع إلى درجة الكفر وإذا وصل الإنسان إلى اليأس كما قال الله تعالى: {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ}، ولا ييأس من روح الله يعني من رحمة الله إلا الكافرون.

وذكرنا في هذه الخطبة أن اليأس له أشكالٌ:

الأول: يأس المذنب من أن يغفر الله تعالى له ذنبه، والله تعالى يغفر الذنوب لمن تاب.

الثاني: أن ييأس الإنسان من رحمة الله، وله صور:

ييأس من رزق الله، وييأس من الشفاء، وييأس من النصر، وييأس من ارتفاع الضر، وييأس من تغيير أحوال العباد.

الصورة الثالثة من صور اليأس: اليأس من إجابة الدعاء، فيترك الدعاء ولا يدعو، لأنه يأس من كثرة ما يدعو ولم تتغير الأحوال، وما علم أن الله ما أخر الإجابة إلا لحكمة أو لخللٍ في دعاء العبد، أو لارتكابه بعض المعاصي كانت حائلًا ومانعًا دون استجابة دعائه.

الرابع من صور اليأس: التشاؤم والعجز والقنوط يحول الإنسان إلى إنسانٍ سلبي متردي لا يستطيع أن ينتج ولا أن يعمل شيء.

عِش في هذه الحياة متفائلًا معتمدًا على الله، متوكلًا على الله: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}[الطلاق:3]، ادعُ الله تعالى وأنت موقن بأن يستجيب الله تعالى لك، اعمل في هذه الدنيا كأنك ستموت من الغد، هذا المطلوب منا أننا نعمل وعلى الله سبحانه وتعالى النتائج، لا يأس، لا قنوط، لا عجز، لا تشاؤم، لا كسل، وإنما نعيش حياتنا بإيجابية كما أمرنا الله سبحانه وتعالى.

6- الدعاء:

نسأل الله تعالى أن يوفقنا وإياكم إلى سواء السبيل، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار، اللهم ارحم ضعفنا واجبر كسرنا، وتولى أمرنا، اختم بالصالحات أعمالنا، لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عينٍ ولا أقل من ذلك، اجعلنا يا رب هادين مهديين غير ضالين ولا مضلين، سلمًا لأوليائك، حربًا على أعدائك، نحب بحبك من أحبك، ونعادي بعداوتك من خالف أمرك، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، أصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، اجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير والموت راحةً لنا من كل شر، اللهم انصر إخواننا المستضعفين في كل مكان، اللهم انصر إخواننا المستضعفين في كل مكان، اللهم انصر إخواننا المستضعفين في كل مكان، يا رب اجعل بلدنا هذا آمنًا مطمئنًا وعموم بلاد المسلمين، اللهم اجعل بلدنا هذا آمنًا مطمئنًا وعموم بلاد المسلمين، اللهم اجعل بلدنا هذا آمنًا مطمئنًا وعموم بلاد المسلمين، يا رب قنا الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن إنك على ذلك قدير وبالإجابة جدير، يا رب اجعل اجتماعنا هذا اجتماعًا مرحوما، واجعل تفرقنا من بعده تفرقًا معصوما، لا تجعل فينا ولا معنا ولا بيننا ولا حولنا شقيًا ولا محروما، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات المؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنك يا ربنا سميعٌ قريبٌ مجيب الدعوات.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه والتابعين.

   طباعة 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
2 + 7 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المقال السابقة
المقالات المتشابهة المقال التالية
جديد المقالات
جديد المقالات
تحرير المرأه - خطب الجمعه
بر الوالدين - خطب الجمعه
المنافقون ودورهم فى نكبات الامه - ركــــن الـمـقـالات

RSS

Twitter

Facebook

Youtube